ابن العربي
986
أحكام القرآن
وأما قولي : إذا وعد أخلف ، فذلك فيما أنزل اللّه علىّ : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ . . . إلى : يَكْذِبُونَ . أفأنتم كذلك ؟ قال : فقلنا : لا ، واللّه لو عاهدنا اللّه على شيء لو فينا بعهده . قال : فلا عليكم ، أنتم من ذلك برآء . وأما قولي : إذا ائتمن خان ، فذلك فيما أنزل اللّه « 1 » : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ . . . إلى : جَهُولًا . فكلّ مؤمن مؤتمن على دينه ، والمؤمن يغتسل من الجنابة في السرّ والعلانية ، ويصوم ويصلّى في السرّ والعلانية ، والمنافق لا يفعل ذلك إلا في العلانية ، أفأنتم كذلك ؟ قلنا : لا . قال : فلا عليكم ، أنتم من ذلك برآء . قال : ثم خرجت من عنده فقضيت مناسكي ، ثم مررت بالحسن ابن أبي الحسن البصري ، فقلت له : حديث بلغني عنك . قال : وما هو ؟ قلت : من كنّ فيه فهو منافق . قال : فحدّثنى بالحديث . قال : فقلت : أعندك فيه شيء غير هذا ؟ قال : لا . قلت : ألا أحدّثك حديثا حدثني به سعيد بن جبير ، فحدّثته به ، فتعجب منه ، وقال : إن لقينا سعيدا سألناه عنه وإلا قبلناك . قال القاضي : هذا حديث مجهول الإسناد ، وأما معناه ففيه نحو من الأول ، وهو تخصيصه من عمومه ، وتحقيقه بصفته ، أما قوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ . . . الآية ، فإنه كذب في الاعتقاد ، وهو كفر محض . وأما قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ فهي الآية التي نتكلم فيها الآن ، وهي محتملة يمكن أن يصحبها الاعتقاد ، بخلاف ما عاهد عليه عند العهد . ويحتمل أن يكون بنية الوفاء حين العهد ، وطرأ عليه ذلك بعد تحصيل المال . وأما قوله « 2 » : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ . وقوله فيه : إن المؤمن يصلّى في السر والعلانية ، ويغتسل ويصوم كذلك ، فقد يترك الصلاة والغسل تكاسلا إذا أسرّ ، ويفعلها رياء إذا جهر ولا يكذب بهما ، وكذلك في الصوم مثله ، ولا يكون منافقا بذلك ، لما بيّناه من أنّ المنافق من أسرّ الكفر ، والعاصي من آثر الراحة ، وتثاقل في العبادة . وقالت طائفة : هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال .
--> ( 1 - 2 ) سورة الأحزاب ، آية 72